عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف

696

إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت

وكثيرا ما شنّف سمعي ، واستوكف دمعي ، وامتلك لبّي ، واستأسر قلبي ما سمعته من قراءة إمام الحرم بأوساط المفصّل في صلاة الصّبح سنة ( 1354 ه ) ، وتذكّرت صلاة والدي ، إلّا أنّ تلك أخشع وقراءة إمام الحرم أجود وأسمع ، فهو مقرىء غير مدافع ، ولكنّ خطابته دون ما يليق بالمسجد الحرام الّذي يطلب بلاغة تتفرّى لها الأهب ، وتكاد لها النّفوس تنتهب . ثمّ إنّ والدي رحمه اللّه مع ما سبق كلّه لم يكن بالمتزمّت ولا بالمتنطّع ولا بالمنقبض ، بل لا يفارق ثغره الابتسام في سرّاء ولا ضرّاء ، وله في الدّعابة مذهب جميل ، يخرجه عن طريق المرائين المتصنّعين ، ويحلّيه بقول المتنبّي [ في « العكبريّ » 2 / 287 من الطّويل ] : تفكّره علم ، وسيرته هدى * وباطنه دين ، وظاهره ظرف فله معنا - ولا سيّما عند الأكل ، بل وفي مثاني الدّروس عند المناسبات - مفاكهات شهيّة ، ومنادرات لذيذة ، وتراه يصغي بسمعه وقلبه لما أنشده إيّاه من الأبيات الأدبيّة عند المقتضيات ، ويطرب لذلك ويستعيده . وقد سبق أنّه يشاركني أحيانا في اللّعب إيناسا لي ، وضنّة بي عن مخالطة الأضداد ، فلم تكن الهيبة الغالبة عليه هيبة تعاظم ولا ترفّع ، كلّا واللّه ، ثمّ كلّا واللّه ، ولكن كما قال أبو عبادة [ في « ديوانه » 2 / 309 من البسيط ] : يهاب فينا وما في لحظه شزر * وسط النّديّ ولا في خدّه صعر « 1 » وإن كان ليجرّني الرّسن فأناقشه المسائل وأجاذبه البحث فلا يزيده إلّا سرورا واغتباطا ، على شرط أن أتوكّأ على الدّليل وأعتمد على النّصّ . ولقد جهدت أن أتعلّق له بهفوة أحتجّ بها عندما يناقشني الحساب على المباحات ، ويكلّفني الصّعب من المجاهدات فلم أستطع .

--> ( 1 ) الشّزر : النّظر بمؤخّر العين ، ويكون عند الغضب . النّديّ : مجلس القوم . الصّعر : إمالة الخدّ عن النّاس تكبّرا .